Sunday, 08th December, 2019
Choose Language:

آخر الاخبار
أخبار
بعد انتهاء عهد الليبرالية المؤقتة.. هل ينفصل الدين عن الدولة؟
Saturday, 12th January, 2013
أكثر من 85% من سكان بنجلاديش البالغ عددهم 150 مليون نسمة هم من المسلمين، فهي ثالث أكبر دولة مسلمة في العالم بعد إندونيسيا وباكستان، ومع ذلك يتحول دينهم، الإسلام، إلى دين أقلية يوماً بعد يوم.. المسلمون في جميع أنحاء العالم، وحتى في الغرب حيث هم أقلية، يتمتعون بالحرية الدينية الأساسية، لكن هذا الحق يُحرم منه المسلمون في بنجلاديش، حتى وهي تتطلع لأن تصبح مجتمعاً علمانياً يتمتع فيه كل مواطن بحرية الفكر والرأي وحرية التدين.اتخذ النظام الحالي في بنجلاديش سياسة شاملة للعلمنة؛ بهدف إبعاد النفوذ الإسلامي من المشهد السياسي والاجتماعي، ولو كان على حساب الحرية الدينية الأساسية للمسلمين، وهذه السياسة أصبحت بشكل واضح معادية لمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، وحرية التنقل، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان المعترف بها دولياً. نقطة التحول الأخيرة تمر بنجلاديش بمرحلة انتقال ضخمة من مجتمع مسلم ليبرالي إلى مجتمع «علماني متطرف»، بعد سنتين من نظام الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش أجريت انتخابات عامة في بنجلاديش في ديسمبر عام 2008م جاءت بالتحالف الذي تقوده رابطة «عوامي بنجلاديش» للسلطة بأغلبية الثلثين في البرلمان، وعقب الانتخابات، توقع شعب بنجلاديش والمجتمع الدولي أن تتبع الحكومة المنتخبة طريق الديمقراطية مع الأحزاب المعارضة، لإرساء سيادة القانون وتعزيز المؤسسات الديمقراطية. غير أن التقارير تشير إلى أن النظام الحاكم لجأ إلى قمع المعارضة، لا سيما الإسلامية منها، منذ البداية، ويوضح تقرير حقوق الإنسان 2009م، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، من بين مصادر أخرى، أن النظام أوجد حكماً يقوم على الرعب في جميع أنحاء البلاد، حيث الثأر السياسي، وإنشاء زنزانات التعذيب في المؤسسات التعليمية، والاغتصابات، وتصاعد أعمال العنف والقتل.. وهكذا تحولت التوقعات المتزايدة للشعب إلى قلق متزايد، فعملية العلمنة في بنجلاديش لا تراعي الحقوق ولا تحترم المعارضة، بل عدوانية يصاحبها العنف والاضطهاد وإرغام الخصوم. إبعاد التدين عن الساحة في الآونة الأخيرة، تعرَّض «سابوج»، الطالب بالسنة الرابعة في جامعة «راجشاهي»، للضرب المبرح من منظمة طلاب بنجلاديش (BCL)، الجناح الطلابي لرابطة «عوامي بنجلاديش»، لأنه ذهب لأداء الصلاة، لم يكن ناشطاً في أيٍّ من تلك المنظمات الطلابية المتنافسة، وكل جريمته أنه كان يمارس شعائره الدينية الأساسية (الصلاة). في نفس الجامعة، منعت الطالبات في قسم علم الاجتماع من دخول الجامعة بسبب ارتداء الحجاب، إدارة الجامعة عيَّنت مؤخراً أربعة أعضاء في هيئة التدريس بشرط ألا يُظهروا أبداً الرموز الدينية أو الممارسات الدينية مثل إعفاء اللحية ولبس الثياب السابغة مثل اللباس البنجابي المعروف، أما من كشفوا هذه الأخبار فإنهم يتلقون تهديدات من منظمة الطلاب (BCL). خلال الأشهر القليلة الماضية، كان هناك العديد من التقارير عن الموظفات اللاتي احتجزن، أو تعرضن للمضايقة، أو الطرد بسبب لبس الحجاب، أو حمل الكتب الإسلامية، في «بيروجبور» وحدها، ثلاث فتيات يرتدين الحجاب احتجزن لأكثر من شهر، وتعرضن لمضايقات واستجواب من قبل الجهات المختصة بالرغم من عدم وجود أي مخالفات قانونية على الإطلاق، ولم يفرج عنهن إلا بتدخل من المحكمة العليا. وأجبرت الكثيرات على مضاجعة قادة الحزب الحاكم، ومن ترفض تتعرض للاعتقال والمضايقة والاعتداء الجسدي بعد وصفهن بأنهن من «الأصوليين». هذا غيض من فيض المظالم التي لا حصر لها للمتمسك بدينه وعقيدته في بلد تم تأسيسه وانفصاله عن الهند باسم الإسلام. في هذه المقالة، التي تستند إلى مراجع شتى، نتعرض لأهم القضايا التي تواجهها بنجلاديش سياسياً واجتماعياً في أعقاب أحداث سبتمبر 2001م. علمنة فريدة من نوعها يقصد بالعلمانية «الفصل بين الدين والسلطة السياسية»؛ بحيث تكون السياسة حرة لا يتدخل في شؤونها الدين ورجاله، وكانت وليدة رد فعل للمظالم التي تعرضت لها شعوب أوروبا على يد رجال الكنيسة المسيحية لقرون طويلة. ولما تولى الطغاة في الدول الإسلامية مقاليد الحكم، وأحسوا أن القوة المحركة لشعوبهم هي إيمانهم بدين الله الحنيف؛ حاولوا محو آثار الدين من الحياة، الاجتماعية منها والشخصية، وذلك بقمع وتعذيب المتدينين، وهذا الذي يعيشه شعب بنجلاديش حالياً، إن معظم كبار صانعي السياسة والوزراء اليوم هم من الشيوعيين إبان فترة النفوذ السوفييتي، ويحلمون بإعادة دستور عام 1972م، لتطبيق النمط السوفييتي القديم: حكم الحزب الواحد، ومحو المعارضة، إسلامية كانت أم غيرها.. هذا النمط من العلمانية في بنجلاديش يمكن أن نسميه «العلمانية المتطرفة»، أو «الفاشية الجديدة»، لما فيها من رغبة شديدة متأصلة لاستئصال الخصوم من المجتمع. علمانيون متطرفون يقول الكاتب البنجالي الشهير «أبو روسب» في كتابه «نشأة العلمانية المتطرفة»: «بدأ تطور العلمانية في بنجلاديش بحالة نفسية فريدة، وهي العداوة الشديدة للإسلام، والرغبة المتأصلة لاستئصال جميع شعائره.. لقد تولوا نشر هذا النمط الفريد من العلمانية لا لأن الإسلام يفتقر إلى مصادر سياسية واجتماعة لإدارة نظام الدولة، بل لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يملك السياسة الشرعية لإدارة نظام حديث بنظرية سياسية شاملة لجميع نواحي الإنسانية، ويقودها إلى نموذج فريد يضمن المصالح العامة.. ولهذا نجدهم لا يدعون الناس إلى نظريتهم السياسية، بل يكرسون كل جهودهم لمعاداة الإسلام وأتباعه الناشطين، في مقالاتهم وخطبهم ونشاطاتهم السياسية الأخرى يصرفون معظم جهودهم للهجوم على الإسلام بدلاً من عرض نموذجهم العلماني وفلسفته؛ لذا ينبغي أن يوصفوا بأنهم علمانيون متطرفون». في عالم ما بعد أحداث سبتمبر 2001م، حيث صارت معاداة الإسلام والنيل منه عملة رائجة للوصول إلى مباركة القوى المهيمنة وتأييدها، يرى «أبو روسب» أن هؤلاء العلمانيين المتطرفين لا يألون جهداً لمعاداة الإسلام ومهاجمة الأحزاب السياسية، ألسنهم طليقة عن الأصولية الإسلامية، بينما هم سجناء أصولية بغيضة، وقد غرقت بنجلاديش في حالة من الذعر والخوف من هذه التركيبة الرهيبة من العلمانية الفريدة وأسلوبها للإبادة الجماعية. في بنجلاديش، كان الإسلام دائماً هدفاً للانتقادات الموجهة من العلمانيين، غير أن الناس بشكل عام كانوا يتمتعون بحريتهم الدينية الأساسية، والآن يتم استهداف الإسلام والرموز والشخصيات الإسلامية باسم إنشاء «دولة علمانية» حسب خطة رابطة عوامي. حين تولى هذا النظام الحكم أعربت الهند عن تطلعها لرؤية بنجلاديش دولة علمانية، فالنظام الحاكم في بنجلاديش يتكون من عدد من الأحزاب اليسارية المتشددة التي كثيراً ما تعرف باسم «العلمانية الفريدة»، كما أنه مما يحقق المصالح الأمنية للهند ألا تتحول بنجلاديش إلى «بؤرة طالبانية». عملية العلمنة الحالية التي تستهدف تقويض الحرية الدينية يمكن أن تعزى إلى «الأجندة» التي وضعها كل من «ساجيب وازد جوي»، ابن رئيسة الوزراء شيخة «حسينة وسي. سيوفاكو» (أمريكي أيد الرئيس «بوش» الابن في «الحرب على الإرهاب بلا هوادة»)، اللذان أعدَّا معاً خريطة طريق للعلمانية في مقالتهما بعنوان: «إيقاف نهوض التطرف الإسلامي في بنجلاديش»، نشرت في «المجلة الدولية لجامعة هارفارد»، في نوفمبر 2008م، وادعيا فيها أن العناصر الإسلامية داخل الجيش، ونظام التعليم الإسلامي (المدارس) تعتبر العائق الرئيس في تحقيق غاية «علمنة بنجلاديش»، ويعتقد أن هذه المقالة هي «المخطط الأزرق» للحكومة الحالية في «خطة علمنة بنجلاديش». دعت المقالة إلى علمنة المدارس الدينية، فضلاً عن الجيش والإدارة برمتها، بالنسبة لهم، «المدارس العلمانية المجردة من التعاليم الدينية ستكون رادعاً دون «احتكار التعليم» الذي تتمتع به المدارس حالياً»، زاعمة أن «تحفيظ القرآن بدون معرفة المعاني بالاعتماد على التمويل السعودي والكويتي يأتي بنتائج عكسية على الأمة»! وتضع المقالة خريطة طريق واضحة المعالم لتدخل الدولة لتنحية الإسلام وشعائره من المشهدين السياسي والاجتماعي. وتتخذ عملية العلمنة في بنجلاديش مسارات متعددة، يمكن أن تتبلور في أمرين: 1- إقصاء الإسلام والشعائر الإسلامية من المشهد السياسي. 2- الاستيلاء الكامل على أرضية الإسلام لصالح «رابطة عوامي». وفي سبيل ذلك، اتخذ النظام السياسات التالية: تصفية الأحزاب السياسية الإسلامية: في البداية، سعى النظام الحالي للربط بين الأحزاب السياسية الإسلامية والتشدد، وكانت هناك دعاية واسعة النطاق أطلقها بعض الوزراء ووسائل الإعلام في الداخل والخارج عن أن بنجلاديش «دولة التطرف»، ربما لجذب القوى العظمى التي تعادي الإسلام، ومن ثم حصول النظام على الدعم المطلق ضد القوى السياسية الإسلامية، وقد دبرت بعض الحوادث التي أدارتها الدولة لتثير وسائل الإعلام ضجيجاً حول هذه القضية وتكسب الرأي العام لصالحها. خلط بين الحركات المتشددة والأحزاب الإسلامية: ولا يخفى أن بنجلاديش شهدت تشدداً من بعض الحركات المسلحة السرية مثل «جماعة المجاهدين لبنجلاديش»، و«حركة الجهاد»، وكلاهما محظورة، وتم إعدام قادتها من قبل النظام السابق.. أما الأحزاب الإسلامية الرئيسة فتشمل «الجماعة الإسلامية في بنجلاديش»، و«النهضة الإسلامية» (أوج)، وقد شكلتا حكومة تحالف مع «الحزب الوطني لبنجلاديش» ما بين 2001 - 2006م، وهذان الحزبان شجبا بشدة عنف «جماعة المجاهدين»، و«حركة الجهاد»، ولم يثبت أي دليل على تورطهما في العنف وحمل السلاح، غير أن العلمانيين المتطرفين يحاولون إلصاق تهمة العنف بهذه الأحزاب، ويعملون بلا هوادة لتحقيق حلم التخلص من الدين وشعائره، والخطوة الأولى منه حظر السياسة على أسس دينية، وقد قاموا بتحقيقات مطولة في الحوادث المدبرة في محاولة لربط تلك الحوادث بالقوى السياسية الإسلامية.